عماد الدين خليل
63
المستشرقون والسيرة النبوية
يضطرب ( وات ) في تحليل أسباب الهجرة إلى الحبشة وبقاء المسلمين هناك ردحا طويلا بين خمسة أسباب : أولها : الهروب من الاضطهاد ، وثانيها : البعد عن خطر الارتداد ، وثالثها : ممارسة النشاط التجاري ، ورابعها : السعي للحصول على مساعدة حربية من الأحباش ، ثم يشكّك في جدوى الاعتماد على هذه الأسباب ويقول : « من الصعب مقاومة الفكرة القائلة بوجوب الاطمئنان إلى السبب الخامس ؛ وهو أنه نشأ انقسام قويّ في الرأي داخل أمّة الإسلام الناشئة » « 1 » . وفي مكان سابق كان ( وات ) قد قال : « يبدو أن إقامة خالد بن سعيد الطويلة في الحبشة تشير إلى أنه كان على خلاف مع محمد في سياسته ، وأنه لم يكن يوافق على التوجيه السياسي المتزايد للإسلام ، ولا على أهمية الدور السياسي لمحمد بسبب نبوته ، ولو أن خالدا اهتم بالنواحي السياسيّة للرسالة لدفن خلافه مع محمد ، وعاد إلى مكة قبل السنة السابعة للهجرة » « 2 » . يستنتج ( وات ) من هذه الأخبار القليلة التي ساقها حدوث خلاف في الرأي بين المسلمين ، وخاصة مع أبي بكر الذي كانت له مكانة قوية عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويرى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أوعز لمخالفي أبي بكر بالهجرة إلى الحبشة تفاديا للأخطار التي قد تنجم عن هذا الخلاف ، غير أن الأدلة التي يسوقها ( وات ) ليست قوية ، فإن بعض من هاجر إلى الحبشة كعثمان وطلحة كانوا من أصحاب أبي بكر . . كما أن اختفاء أسماء بعض المسلمين الأول المهاجرين وعدم لعبهم دورا رئيسيا في السياسة فيما بعد ، وخاصة في عهد أبي بكر ، لا يمكن أن يعزى إلى خلافهم معه فقط ، بل قد يرجع إلى انشغالهم بأمور أخرى في الحياة ، والواقع أن أبا بكر استعان بكثير ممن أسلم عند فتح مكة أو بعدها ، وبأولاد كثير ممن قاوم الإسلام ، فلو أهمل أبو بكر رجلا لماضيه لكان الأجدر به أن يهمل هؤلاء ولا يسلّمهم قيادة
--> ( 1 ) محمد في مكة ، ص 182 - 189 . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ، ص 162 .